من ثقافة العنف إلى ثقافة اللاعنف
عالية طالب
ينص ميثاق اليونسكو الذي تقرر منذ أكثر من نصف قرن على ما يلي:
" بما أن الحرب تبدأ في أذهان البشر، فأن علينا إن نبني متاريس السلام في أذهان البشر أيضا".
فما هي متاريس السلام التي شيدها العقل والمنطق حتى لا يكونا أولى ضحايا ثقافة العنف التي حملناها في العراق اليوم على كتفين أتسعا ليصبحا أشبه بجناحين نطوف بهما فوق سماء ملبدة بدخان الموت اليومي، فيما القلب ينتظر اشراقة شمس عراقية الصحوة ترفل برداء تموز لتذيب هذا الشمع اللئيم الذي يلهم ثقافة العنف امتدادها الأهوج.
ليس مفهوم ثقافة العنف بالجديد على الذهن العراقي أو العربي إذ عبر قرون عديدة عشنا معا" بنسب قد تتفاوت لكنها أبدا" لن تلغي التواتر الذي يمتد عبر وطننا العربي المبتلى بحب السلطة ومقعد السلطان الأبدي، وكان لا بد أن ندفع وعلى امتداد أجيالنا ضريبة حب لانعرف كيف نتخلص منه دون انتزاع للروح، حبنا لأرض غالية ترقبنا ونحن نتنازع فوق ثراها ونملأ أحشائها بأجساد أحبتنا دون إن ترف لنا أجفان لا تعرف ألا أن تغمض عينيها على الحقيقة.
فحين يزدهر العنف تنبثق الدوافع المبطنة بالأنانية ويضمحل المنطق السليم، وكل ما كبرت مساحته كلما حمل تراكمات قديمة ومستحدثة وتناقضات سياسية واجتماعية تعمل على استهداف الإنسانية ولغة التسامح والمحبة والأواصر الدينية الراسخة والفكر والثقافة والحضارة وتجرف في طريقها كل مسميات الفن والأدب والعلم والتواصل لتستمد من تمزيقها ما يحقق لها الإدامة والانتشار.
هل يمكن إن نجد تبريرا" لكل هذا العنف الذي بدأ يتغلغل في كافة مفاصلنا ليستمتع بدورة عنف تأخذ مسميات امتدت حتى داخل الأسرة والحرم الجامعي والتربوي وتمادت حتى طالت دور العبادة والأماكن المقدسة بعد أن استشرت سياسيا"
1--
وعسكريا" وتداخلت بين عمل الأحزاب والتجمعات والتنظيمات المدنية، ولم تغلق الدائرة التي لا زالت تلتهم مجتمعنا دون هوادة.
هل أن وجود التناقضات الفكرية والاجتماعية يعطي للعنف أحقية في الظهور أم إن وجود "ثقافة العنف"هو المتكأ الذي تستند عليه هذه الظاهرة لتجد لها مسميات تبريرية كالعنف الثوري ونظريات التكفير والتعصبات القبلية والمذهبية والقومية.
ما الذي يغذي ثقافة العنف ويجعلها تجد تلك البرك الملوثة التي تتنفس فيها بحرية دموية..؟
وما هو الوعي المطلوب اليوم الذي يتناسب مع هذه المرحلة الدقيقة التي نمر بها..؟
وكيف نبدأ باستخدام وعي التقاطع التام مع ثقافة العنف.؟
نعتقد أن العديد من هذه الأسئلة ستتوقف إمام زاويتين:
الأولى:- تشخيص وسائل نمو ثقافة العنف.
الثانية:-
: نزع الأقنعة التي تخفي أهدافها الحقيقية وصولا" إلى أدانتها جهارا" بوسائل تعرف معنى ثقافة اللاعنف وترسخها بجدارة مجتمع متحضر تاريخيا" وحاضرا".ا
وحين نتوقف إمام النقطة الأولى فإننا سنحمل وسائل الأعلام مسؤولية كبيرة في إيجاد البيئة الخصبة لإنعاش ثقافة العنف.
العراق اليوم هو أرضية تجريبية لجميع وسائل الأعلام العربية والغربية، آذ حرصت هذه المنافذ على أن تندمج في معركة الأعلام في العراق منذ الفترة التي سبقت الاحتلال الأميركي في الألفية,
ففي التسعينات تأسس مركز أعلام الشرق الأوسط MBC في لندن ثم شبكتا ART/ERT وجاءت من بعدها فضائيات الجزيرة، أبوظبي والعربية وأثبتت هذه المنافذ الإعلامية تأثيرها القوي على المشاهد العربي على حساب القنوات الحكومية، التي بقيت في موقع شبه بعيد على تأثير التحولات السياسية والثقافية والاقتصادية والتقنية المعولمة والكاسحة، وخاصة بعد خصخصة قطاعات لايستهان بها من الأعلام، وتطور الأطر التشريعية التي حاولت مواكبة متغيرات الخطاب ألأعلامي لكنها فشلت في أن تستوعب كامل المشهد الذي أجاد اقتناص فرصته وهو يعلق على مشجب السبق الإعلامي كل إخفاقاته الإنسانية وليس الإعلامية, وعبر هذه النقطة دخل عنصر المنافسة الساحة باحثا" عن أجساد مقطعة وإخبار دامية بعضها شبه مفبرك وأمتيازات صور لم يعتدها المشاهد العربي ولا الغربي عبر مشاهد الخطف والذبح والتهديد والمطالب التعجيزية والتفجيرات التي ترسل أشرطتها كهدايا لفضائيات دون أخرى فيستقبلها المتلقي بانبهار أولا" ثم بانتظار ومن بعدها بتعود ليصل إلى الإدمان ويحتاج إلى
2--
جرعة إثارة اكبر تغازل مناطق جديدة في العقل والإحساس لم يسبق لها إن است
المزيد