خرائب الأجساد
((انهم يهشمون الروعة ,وهم يحملون حراب ابتساماتهم))
لم يكد يخطو داخل منزله حتى شعر بالوحشة..تسلقه إحساس مزعج .تلفت باحثاً عن شيء غير محدد,قلب أكوام الجرائد فاستوقفته صور نساء بملابس غريبة ,تمنى لو كن الآن بين أحضانه إلا إن الدوار الخفيف داخل رأسه سحبه بعيداً عن تلك النظرات الصامتة التي تغريه…وقف وسط أكداس الأوراق,باعد ما بين ساقيه مفتعلاً ضحكة .خرجت حزينة, مشروع بكاء هي..
امتلأ بسطوتها.لماذا لا يبكي إذن ,هو بحاجة ماسة إلى غسل أفكاره البائسة,بحاجة لزلزال يقتلع كل ما يكبله بهذا العالم الذي تنبثق منه وحشته..أينفعه البكاء حقاً وعلى ماذا يبكي؟ لابد أن يقنع نفسه بسبب واضح,والا فكيف يقنع دموعه بالانصياع ,لكنه لم يجد سببا ًواحد يكفيه,تجمعت أكداس عنكبوتية خنقت الانسياب.. لديه,زادت حيرته, عليه أن يقتل الفكرة إذن محاولاً إيجاد بديل أخر ,ثم لماذا كل هذا الطوفان داخل ذكريات مؤلمة,ألا يقول الجميع أنه إنسان سعيد ,كل من عرفه قالها .حتى زوجته التي تفترش سريرة الآن بكل شراسة ترددها مراراً,وكأنها تتعمد إشعاره بأنه لا يعدو أن يكون إنسان مهزوزاً والآخرون يقولون أنه يقبض على المرح بكف فولاذية حتى هو نفسه صدقهم أخيراً..امن بكلامهم وهو يجبر عقله على نسيان تلك الأيام التي تسمى حياته .
وفي كل تلك البراهين التي استمر على تقديمها تباعاً ,وفي أثر إنتهاء تلك اللسعة الرهيبة التي تنسي أي امرء كل ما يشغله كان يسأل شخصاً يقرفص داخله ..أهو سعيد أم ممزق؟
أي محرومين يعيش بينهم ,أية أساليب بدائية تطوقه وتحصي عليه مكالماته, لقاءاته ,أحاديثه ثم يجمعون كل هذا ويبدأ النسيج الجديد يزهو بمغامرة تنسب إليه,مليئة بتفاصيل لم يعشها لحظة,لكنه لا ينفيها أبداً حتى أصبحت الأكذوبة واقعاً عليه أن يمارسه وأن عافته نفسه..النساء , كم عاشر وكم زرع فيهن ارواحا جديدة ,وأحلاماً غريبة وأفكاراً بوهيمية,وأطفالاً لا يولدون ,وكم حصد منهن احاديث سخيفة وأمنيات مسطحة ,وأفكاراً ساذجة,وأجساداً مشوهة,وقبلات خانقة,تلك ضريبة عليه احتمالها,لتبقى أيضاً الأسطورة متوهجة أبداً .
شعر بالتعب ,تمدد بملابسه كاملة في منتصف الغرفة المظلمة وخيط ضوء ضعيف ينبعث من الممر أمامه ,وتحت قدميه لطخة غبار وكائن لايعرفه بقي لديه ,جسدً ملطخ بمئات البصمات ,وندوب مكورة بأمراض لا تشفى وصدر مليء بثعابين لعوبة,وأفكار تبدو للآخرين شريرة ولديه تائهة ,هل استطاع هؤلاء الأغبياء تحويله إلى ما أرادوا.وهو يصفق بغباء على إنسانيته المقذوفة بين الأكف الملوثة.
اه من هذه الوحشة الثرثارة التي تحارب صمته الهارب ..كيف يبددها ؟..أمسك مفكرة صغيرة وأدار أرقاماً لا ترد…توسل إلى أصوات لا تنطق ,وحسد كل هؤلاء النيام على وسائد يعرفها…دار داخل مسافة منتهية واستقر ليتحرك صوب غرفته ,ضغط الزر الصغير فغشيته صورتها بذلك الجسد المتكور بمعظم نزواته السابقات,أهي امراة واحدة التي تتمدد فوق سريره الأن أم قبيلة وحشية من النساء .
كم حلم معها بأخريات ,وكم ضحك وهو يمرر رغباته عبر جسدها أنها أجزاء مجتمعة…من نساء يعرفهن وأخريات يملأن جرائده,يحلق بأفكاره بعيداً عنها الاف الأميال وهو يحتضنها دون مسافات ,فتختلط الأجساد لديه ويشعر بانتشاء لا يفضحه همسه المفاجيء باسم غريب جديد فتنتفض غاضبة, لكنها غالباً ما تصمت حين تعرف أن لا جدوى مما تفعل ..استدارت بجسدها بعيداً عن الضوء وهمهمت بصوت كسول.
-هل تعشيت ؟
ياله من سؤال ,تطلع نحو الساعة فوق رأسها ,وانتابته رغبة أخرى بافتعال أي شيء حتى لو كان شجاراً,لكنها عادت للنوم ثانية وجسدها يسبقها مفترشاً مساحات اكبر..
أطفأ الضوء وتسلل إليها مختنقاً بالمزيد من أنفاس نسائية، إلا أنها ابتعدت نافرة دون أن تكمل سحب مساحاتها وراءها.امراة جميلة ,هكذا تبدو ,وربما يراها غيره أيضاً بالصورة ذاتها .ماذا لو مارست هي الأخرى أسطورة مماثلة لما يقال عنه ؟ترى ماذا يكون عليه أن يفعل ,وهل له ان يعترض هو الذي ردد مراراً أنه سيشجعها لو وجدت حبها مع اخر ,لو فهمت بصدق ما هي مقدمة عليه .
لكنه يعرف أنه كاذب تماما .لن يجعلها تخدعه مثل ما تفعل زوجات كثيرات يعرفهن ,سيمزقها وهو يصفق في عرسها ابتهاجاً.ولن تختل الأدوار,فعليه أن يكمل شوطها إلى الآخر ما دام قد قبله دون مقاومة .
ما أكثر التفاهات التي قالها ,وما أغربها,أمن الممكن أن يكون هو الذي قال تلك الكلمات كلها ,وكيف احتملها الآخرون ,وكيف رضيت النسوة اللائي كان يخدعهن ,أم هن من قمن بذات الدور ,لماذا يفترض أنه قد كسب رقما ًاخر وأدخل واحدة جديدة داخل حساباته ,ماذا لو كان العكس وهن من يرضين رغباتهن من خلاله,ولا يعدو دوره إلا منفذاً لأوامر يعطينها مجاناً برغبة أو بدونها .
واستقر مرة أخرى ببصره فوق زوجته,هذه الأخرى اغتصبت منه حفنة من شباب بدأ برحلة عد تنازلي ,فيما تبقى ابتسامته معلقة لا يعرف متى تسقط أم أن عليه ابتلاعها .لكن مؤكد أنها مختلفة تماماً,قد أرضى غرورها الأنثوي بنزوات كل من عرف من النساء,حب غريب يغدقه عليها كلما رأى امرأة جديدة,إنها ليست سوى مجموعة أرقام لن يخشى فقدها.بل ربما يخاف التيه بين الأجساد التي تعيش فيها .
كل ما يفكر فيه الآن لا يؤرقها ومحاولاته لا تنفع ,وهذه الوحشية البربرية
عادت تضرب بكل ضراوة ,دفع بقايا جسدها القريب منه ,وعاد ليعانق الظلمة وهو يبحث عن كأس فارغة يعرف أين يجدها.
سيجرب اليوم أن يثمل دون أصدقاء ,ملأ كأسه وجلس ينتظر دواراً اخر .أية امرأة عانق بالأمس,ثورة تتحرك أم بركان بانتظار الوقت ,لكنها لم تأت هذا اليوم ,ألم تقل أنها ستعود غداً قد فهم منها هذا حين كانت تتكور داخل حدقتيه و






























