مريم والعودة إلى العراق
كتبهاعالية طالب ، في 19 تشرين الثاني 2007 الساعة: 10:14 ص


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مريم والعودة إلى العراق
عالية طالب
" مريم " لا يتجاوز عمرها الثلاث سنوات جاءت الى مصر مع عائلتها الصغيرة لكن دون أن تكتمل فرحتها بوجود أبيها بعد أن حجز في المطار ليلة العيد لثلاثة أيام ثم تمت اعادته بحجة ان تأشيرة دخوله مشكوك بأمرها والتي أستلمها من مكتب لمنح التأشيرات وبنفس رقم تأشيرة زوجته , عاد الأب وبقيت زوجته وطفلتيه مع أهلها لاكثر من عام في مصر , في اليوم الأول لوصول مريم كانت تتطلع الى الاضواء والمحلات وحركة الناس في الشوارع كالمبهورة , تركض والضحكات تملا وجهها وهي " ترى " الاشياء حولها تبرق وتتحرك بعد أن اشبعتها الظلمة في بغداد وحشة , لكنها لم تتخلص بسهولة من الخوف من الاصوات القوية اذ كان مجرد أصطفاق الباب بقوة يجعلها تصرخ " أنفجار " وتلوذ بحضن أمها الى ان يهدأ خوفها فيما كلماتها تعدد أسماء ميلشيات الاحزاب أو الامريكان أو الحرس الوطني , كانت " مريم " نموذجا حيا لما عاناه أطفال العراق في بلدهم , حيث سرقت طفولتهم لصالح مشروع سياسي أوجد الرعب في القلوب الصغيرة والكبيرة على حد سواء .
ويوما بعد آخر تعودت " مريم " تواجد الأشياء التي حرمت منها في العراق بفعل الوضع الخدمي المتردي , وأصبح بأمكان عائلتها اصطحابها في أي وقت لنزهة تشعر فيها بأن طفولتها تستحق أن تمارس ليس بطريقة الكبار الذين يركضون وراء النفط والبانزين والاخبار والدموع , بل بطريقة مشابهة لما تفترضه الطفولة من مسار . لكن " مريم " لم تستطع ان تنسى أباها ورغم انها بدأت تنادي " جدها " بكلمة بابا الا انها تعود لتقول أنا اريد ان ارى بابا الذي في العراق , وحين عجزت الأم عن تسهيل دخول زوجها بعد منع التأشيرات في مصر للعراقيين خشية من أنتقال مرض " العصر " اليهم , بدأ قرارها ينمو تدريجيا بضرورة العودة للعراق ليلتئم شمل أسرة صغيرة حتى وأن كان ذلك الالتئام داخل تهديد الموت والخوف والانفلات الامني , وحين يدور الحديث عن فكرة العودة تتدخل " مريم " في الحديث بطريقة ناضجة لتقول أن امها ستصحبها الى مكان به ميلشيا …. و ميليشيا …. وقوات … وجيش … وعصابة … وحزب … وتبدأ بتعداد كل ما حفظته من أسماء لمسلحين تقترن صفاتهم بالخوف والتهديد والرعب . وتبدو وكأنها مجبرة على القبول لأسباب بدأت تذكرها تباعا , بابا الذي في العراق , ألعابي التي بقيت هناك , ملابسي التي لم تصحبها أمي , اغطيتي , غرفتي , بيتي , أقاربي , أصدقائي , . وزاد من قناعة الأم بالسفر ما يصلها من أخبار عن تحسن الوضع الأمني في العراق , خمسين بالمئة نسبة نقبلها هي أفضل من اربعين أو أقل , هكذا رددت الأم وهي تتابع يوميا الاخبار التي اقنعت بها نفسها على ضرورة العودة مادام الوضع يشهد تحسنا نسبيا اذن هناك املا في المزيد , وهكذا بدأ التخطيط للعودة .
كبرت " مريم " لتواجه الجميع بأنها عراقية لابد لها أن تكون في العراق دوما . وفي ليلة سفر مريم الى العراق كانت تتطلع الى الوجوه وكأنها تودع كل المرئيات والناس والامكنة والحيوات التي تحيطها وكأنها تعرف أنها لن ترى مشابه لها في العراق . وحين تسأل لماذا تسافرين تصر على أنها لابد تعود لانها لا تستطيع أن تصحب كل ما تراه أمنا في مصر الى العراق , لذا لابد أن تعود اليه حتى وأن افتقدت كل ما أرتاحت اليه هنا .
في المطار كانت " مريم " على غير عادتها حين تخرج سابقا لم تكن الضحكة موجودة فوق وجهها ولا عبث الاطفال ولا صخب الحيوية ولاحركة العناد , كانت تحتضن عائلة أمها بقوة وحين ترى دموعهم تقول أنا لا أحب البكاء , لن أقبلكم اذا ما كنتم تبكون , سافرت مريم ومعها أختها " بسمة " وأمهم " حراء " وحين دخلت الى صالة المغادرة التفتت الى الوراء وابتسمت فيما يدها تلوح للجميع .
بقي الألم طاغيا فوق وجوه من ودعوا مريم ومكانها الشاغر أصبح سوطا يلهب قلوبهم وضحكاتها واغراضها والعابها التي تركتها ورائها , انشطرت اغراض مريم وما تحبه في بلدين واصبح سؤالها عن " جدها " بابا الذي في مصر ملحا بذات الطريقة التي كانت تفعلها مع ابيها الذي في العراق . وليلا تصر على الاتصال بأهلها في مصر لتشكو لجدتها انها الان في ظلمة والكهرباء المقطوعة تخيفها ,و , و , وكل ما نعرفه من تدني خدمات بالعراق , لكن خفوت صوت الانفجارات والمفخخات أوقف لديها استرجاع ذاكرة عمرها سنة .
" مريم " الان في العراق تتمنى ان لا تصافح عيناها الظلمة في المساء ولا الخوف في النهار وان ترى متنزهات يلعب بها أطفال تسابقهم كركراتهم وقبل كل هذا تريد ان يجتمع شمل جدها وأبوها وان لا تهاتف جدتها لتقول لها اريد ان اراك الان لكنك بعيدة عني فكيف الوصول اليك
" مريم " في العراق ومعها " بسمة " ليتهن يهنأن بعودتهن مع أمهما بانتظار أن يعود كل أطفال العراق الى من يشتاقون اليهم سريعا أن شاء الله .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقــــالات | السمات:مقــــالات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج










































نوفمبر 19th, 2007 at 19 نوفمبر 2007 1:46 م
انا استعد لعيد ميلادي الاول في الغربة
شرفوني وشاركوني فرحتي عبر مدونتي
أكون سعيدة بتهانيكم ودعواتكم
قبلاتي الحارة
ان أحبك كثير طاطا ولا تنسيني في رواياتك
ديسمبر 14th, 2007 at 14 ديسمبر 2007 11:11 م
محظي انا ربما بهذا المرور الطيفي
وادعوكِ لزيارتي لأشعر بطيفك بين حروفي