الموقع الشخصي للروائية العراقية عالية طالب الجبوري@ أهلا بزوارنا الأعزاء

 

أيها الوطن الساكن بين القلب والضمير, أيها الوطن الذي يكبر داخلي كلما ابتعدت عنه..، ،كيف أواجه وجعي الذي لا يتركني أغفو منذ اتسعت المسافات بيننا, انتظر مثلما تفعل أنت عودة صوت المساء فوق ضفاف دجلة


تأوهات لوحة

كتبهاعالية طالب ، في 13 تشرين الثاني 2007 الساعة: 16:51 م

تأوهات لوحة
 
 
كانت نظراتها يسابقها ذلك الوميض الازرق للضوء الذي احاط بشعرها وذراعيها وثمة عتمة خاوية غلفت ساقيها واستقر الظلام فوق ردائها الملقى بعبثيه عند قدميها، كان المكان مالوفا لديها بكل تلك الفضاءات المسحوبة وراء لوحات مكتملة واخرى بانتظار الوانها، نساء كثيرات حولها يتساقط خلف ظهورهن مختلف الايماءات وظلال رجال بوجوه غريبة تبزغ كل قليل امامها ثم تعود لتختفي وراء اغطية بيض وكان هناك تيار هواء يتعمد مداعبتها برغم ان الباب الوحيد موصد منذ ان دخلته.
واستمر الرجل امامها يعمل بهمة احضر اشياء كثيرة لوحة بيضاء وعلب الوان وقطعة نسيج ببقع واضحة ومع كل حركة كان دخان سجائره يزامن حركة جسده بلولبية اثارتها وجعلتها تشعر بدفء ينبعث من مكان ما حولها.
وبرغم انها ابتدات تشعر بالبرد الا انها لم تتكلم، فلابد من انه الاخريشعر به هكذا فكرت، وربما بدرجة اقل مادام مرتديا ملابسه ستحتمل هكذا قالت عليها ان تنجح هذه المرة
ايضا كما تعودت مع كل من عملت معه، وعند نهاية اية لوحة كان هناك شئ جديد يضاف اليها شئ تجهله عن جسدها وعن ايماءاتها وعن الروح الخفية التي تتراقص بين حركتها الصامتة وراء الالوان.
قد اكتشفت في لوحة أن لديها رقبة رائعة برغم قلقها الماضي من نحولها الظاهر وفي اللوحة الاخرى التي قال لها رسامها انها بيعت باعلى سعر والتي لم تصدق ان يكون لكتفيها وهما تؤرجحان ذلك العقد الطويل تلك الفتنة الغربية.
وكيف لها ان تنسى ذلك الفنان الذي ارهقها وهو مفتون بنظراتها التي استغرق معها شهرين كاملين وهو يرسم عينيها ويسالها كل حين عما تحب ويسمعها الموسيقى اخبرها ان (دافنشي) فعل الشئ نفسه مع السيدة (ليزا) كي يقلل الملل فيما لو تسلل الى قلبها خلال السنوات الاربع التي استغرقتها لوحة (الجيكوندا) وكانت تضحك في سرها فلم تكن تحب تلك الموسيقى التي لاتبعث غير النعاس الى عينيها والرغبة في الالتحاق بفراش وثير، لكنه اخبرها في مابعد انه قد حقق مايريده باقتناص تلك النظرة المتثائبة والتي نجحت هي من دون ان تدري بنشرها فوق وجهها مثلما كان يتمنى.
وتوقفت عن محاكاة لوحاتها وهي تتطلع باتجاه الرجل الغارق في العتمة ترى لماذا يصر على تسليط الضوء الازرق عليها وتعتيم كل المكان، وماتراه يضيف الى جمالها، وحين تنتهي اللوحة، من منهما يشعر بالفوز هو بالهام حقق فيه ابداعه ام هي باكتشاف جديد لانوثتها اقترب منها وابتدات تحضر تلك الاجوبة التي اعتادتها لكنها انتظرت طويلا وهو يقيس مسافات الضوء فوق رقبتها وجانب وجهها حتى تبخرت كلماتها.
وفيما هو يقترب من عنقها كان يشعر بانفاسها وكانت تلهث تعبة وراء شئ يقترب منها سريعا وحين يبتعد عنها يحمل بعض لهاثها ويصبه داخل اللوحة بخطوط يحادثه فيها رجل يقرفص داخله هامسا انها رائعة بكل ثقل اللون الاسمر والشعر الاسود الذي يندلق على جسد لدن محمل بالاسرار.
ويكشف تاكيده مع نفسه لو لم تكن كذلك اكان يختارها انموذجا للوحة تحمل اسمه،اكثر من لوحة رآها تحمل تفاصيلها تمعنها جيدا، لم يستوقفه وجهها بل كان اهتمامه في تناسق عظامها وانحناءات جسدها وصدق الانثى العذري داخل تكوينها وحين نضجت قناعاته ترك لها اسمه ورقم القاعة والوقت الذي سيبدا فيه.
ـ الا تشعر بالبرد؟
ـ استدار ليبحث عمن حادثه وحين سمع ضحكتها شعر بسذاجة رهيبة مؤكدا هي من تحادثه فكيف يبحث عن ظلال أصم
ـ ساتصرف في الامر
نزع سترته ووضعها فوق كتفيها وحين لامس بشرتها انتابه فزع طفولي جعله يعود مسرعا الى مكانه قبل ان يقف ليسمع كلامها بوضوح مالذي أصابه؟
ستموت لوحته اذا ألابد من أن يكون دوره شاهدا فقط للعبور فوق اقبية رغبته لتحسسها وفي الوقت ذاته عليه أن يستمر نزيلا ملتحما، داخل تلك الاقبية ليس له ان ينفصل عنها ولا أن تمتلكه وبما ان معاناته تلك لم تكن المرة الاولى التي يجتازها ببراعة فقد عاود التغلغل داخل طريقته الناجحة دائما بدأ اولأ يستحث تداعياته ويستجمع كل الصور التي يختزنها تاريخه الشخصي وانفعالاته المتوجسة.
 
واستمر يرسم خط ساقيها الملفوفتين وأكمل الظل المعتم بين قدميها وأبتدات خطوطه تنضح كل قليل عن انثى رائعة اقترب منها مستاذنا وترقبت هي لكنه وضع السترة ذاتها فوق ساقيها وبدا يكمل جزءها العلوي.
أية انثى تخلق الان من بين أصابعه، أكمل تدويرة البطن وصعد عاليا، وتضخمت ألاصوات التي افرغتها حنجرته في مختلف حالات التضمين التي احتواها صدره اللاهث وراء تجسدات انامله المضطربة وحين بدا يغازل عنقها شعر بسخونة انفاسها تطوق وجهه برغم ألامتار التي تفصله عنها ولا مس غمازتها وقبل أن يكمل أغراقها باللون الرمادي شعر بنفسه قويا بضعفه واستلذ الاستمرار باستجداء ضعف اكبر يمنحه قوة المواجهة مع خصم اللوحة.ولم يسال اين خصمه خشية استباحة كل ما اعده للمواجهة الان، وحدث نفسه بصوت قوي صامت.
ـ لاانغمار في اقتناص لحظة عابرة.
كانت المراة امامه قد اضطهدها الملل تماما، وشعور بالفشل ماانفك يحيط حواسها لم يتوقف امامها الا ليلتقط مسافات جسدها اتكون واهمة اذا ولم تنجح في لوحاتها السابقات، أي رجل هذا الذي يحطم الان كل اعتزازاها الماضي لم يتفاعل معها كانسان موجود حقا، كيف تخرج لوحة نابضة ايخلق صنم بارد نارا تشع حياة، من الفاشل بينها هي ام هو لكنها لاتتوهم جمالها ولها اكثر من برهان ام هو فنان كسيح برغم شهرته.
عليها ان تفعل شيئا ما، لكن ماهو، اتساله مثلا وكيف تروض كبرياء ها ام تنهي كل معاناتها وترتدي ملابسها وتمضي وماذا تقول له حينها الن تعرض كرامتها لطعنة اكبر؟
واستبد بها الانفعال طاغيا وقبل ان تتفوه باي قرار كان الضوء قد ملأ المكان حولها واصابها بانبهار لم تتبين فيه مكانه جيدا وهو يشكرها بحرارة قبل ان يغلق الباب وراءه متابطا لوحته.
ارتمى منهكاً على اقرب مقعد صادفه، كان يشعر بالتعب وارهاق غريب ولذيذ يرتمي فوق اعصابه اية معاناة اجتازها قبل قليل وكيف استطاع الافلات من وجودها امامه والغرق داخل احضان انثى على الورق، شعر بالانتشاء لو لم يفعل ذلك لحكم على اللوحة بالتهشم لامحالة اقترب النادل منه. طلب كوب شاي ساخن وتطلع حوله، يبدو ان المكان هادئ تماما الجميع مشغولون بعضهم يملا قاعات المراسم وبعضهم في الممرات بحثا عن افكار جديدة اما هو فعليه ان يفرغ الان الافكار ليبدأ من جيد ما ان وضع النادل كوب الشاي حتى اغلقت فتاة الرؤية امامه هامسة بصوت عذب.
ـ هل تمانع؟
ـ وأشارت الى المقعد الخالي امامه شعر بارتباك وهوينهض محييا فيما كانت الفتاة قد جلست فعلا.
ـ الجو بارد اليس كذلك.
ـ نعم
للمرة الثانية يسمع عبارة مشابهة يبدو انها طريقة متداولة لفتح حوار ما، لايهم هو بحاجة الان الى ان يشاركه استرخاء مشاعره احد ما لكنه لم يكن يتوقع فتاة غضة مثلها.
ـ تعملين هنا؟
تطلعت نحوه باستغراب واجابت
ـ احيانا
ولاحت في عينيها نظرة تحد واضحة وهي تسأله
ـ وانت؟
احس بسؤالها بنوع من الغيظ اتكون فعلا لا تعرفه جميع من في المكان يعرفه جيدا، ربما تمازحه، او هي شئ اخر لم يفهمه وساد الصمت بعد ان اجابها. احس بها تنتظر ان يتكلم تطلع إلى وجهها بتأمل طويل شعر بالاعجاب أي وجه تمتلك هذه المرأة انه نموذج لنساء عظيمات وعلى شفتيها يسيل دم (ادونيس) قبل ان يفجر شقائق النعمان.
وهمس بانفعال ..
ـ آه .. انك فعلا لرائعة
ابتسمت ولا يدري لماذا شعر ببعض اسى في ابتسامتها.
ـ تبتسمين وكأنك ترثين شيئا.
ـ قد تكون نفسي
ـ وهل هناك من يرثى الجمال.
ـ تراني جميلة
ـ لايكفي، انت اشبه باسطورة
ولمس مزيدا من الالم يفترش مساحات اخرى فوق ملامحها، اول امراة تتالم حين تطرى .. ما بالها اتكون يائسة اومحبطة.
ـ ماأسمك !!
ـ الا تعرفه؟
ـ لكنني اراك للمرة الاولى
نظرة حزن جديدة لم يفسرها وهناك بعض غضب وكثير من الم .. متعب هو ليرجع الاشياء الى تسمية ما . وحدث نفسه وهو يستغرق في تأملها … اليس بغرابتها شئ من سطوة كبيرة الالهة (جونو) .. اين جوبتير اذا ..
ـ متزوجة؟
ـ كنت في يوم ما
ـ انا أسف
ـ لماذا .. كلنا لدينا خيبات قد تأتي وقد تنتظر؟
امن على كلامها وهو يتذكر أهداء عبد الرحمن منيف في رواية نسي اسمها نعم ما اكثر خيباته هو .. حتى لو أصر على شطبها من حياته فأنها قد تركت اثارها من دون ارادته ..
ـ أتعرفين انت انموذجا مكتملاً للرسم.
ـ حقا.
اجابت بسخرية
مؤكد اكثر من واحد قال لها هذا، لماذا يبدو باهتا هكذا امامها .. امرآة صعبة عليه ان يمسكها قبل ان تفلت منه.
ـ أشعر وكأني أعرفك، ليتني التقيت بك قبلأ.
ـ لماذا؟
ـ لكنت اخترتك موديلا نفذته قبل ساعات.
ـ اكانت فاشلة اذا.
 
ليس تماما، لكنها ارهقتني فلم استوعبها واقعا.
ـ اصغر كيانا منك.
شعر بالحرج اكانت موديله فعلا اصغر منه ام العكس لذا فضل الهرب منها إلى لوحته …
ـ تستعملين جملا حادة..
ـ حدثني عنها..
ـ لكنني لا اعرفها..
ـ ليس مهما
ـ لن استطيع
وكبرت سخريتها بوضوح
…أي فنان انت؟
بوغت، نعم أي فنان هو ؟ كيف لايستطيع التحدث عن لوحته باسراف
ـ اسمعي لابد ان اراك دائما
ـ لماذا؟
ـ احس أنني بحاجة اليك
ـ لكنك لم تكن كذلك منذ ساعات
ـ ماذا
وسمع جملة قصيرة واضحة وهي تلملم اوراقها قبل ان تغادر القاعة بهدوء.
ـ حين كنا في المرسم معا قبل ساعات..
 
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصص | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر