الموقع الشخصي للروائية العراقية عالية طالب الجبوري@ أهلا بزوارنا الأعزاء

 

أيها الوطن الساكن بين القلب والضمير, أيها الوطن الذي يكبر داخلي كلما ابتعدت عنه..، ،كيف أواجه وجعي الذي لا يتركني أغفو منذ اتسعت المسافات بيننا, انتظر مثلما تفعل أنت عودة صوت المساء فوق ضفاف دجلة


الرجوع إلى الغد

كتبهاعالية طالب ، في 13 تشرين الثاني 2007 الساعة: 16:38 م

الرجوع إلى الغد
 
(( حين يطاردنا الذهول… نبحث عن صفعة حانية))
 
استيقظ فجأة كمن انقذف من علو شاهق، تطلعً مستغرباً واَثار توجس تبدو واضحة من نظراته، لم يستطع تركيز ذاكرته ليؤكد المكان  الذي هو فيه، أهي غرفته، أم مكان أخر، واستمر الضوء الضعيف بالتسرب من النافذة القريبة من رأسه فازدادت حيرته، لم يكن يدري أن كان الوقت قد قارب المساء أم هو بداية صباح جديد، جرب أن يبحث عن ساعته… يبدو أنه يعرف هذه المنضدة جيداً، أنها غرفته أذن، والساعة تنزوي وراء كتب مبعثرة فوقها. الوقت هو السادسة، لكن أية سادسة،فجراً أم تراها عصراً، لم يفهم… وبدا مضطربا بكل ذلك الابهام الذي يسيطر عليه، كان لديه بقايا من أشياء سحبها من رقاده العميق، بعض انفعال وكثير من غرابة، وثمة شيء
يخزه بحده لكأنه ينزف داخل رأسه، لذا فقد فضل تفادي التفكير فيه..
أليس هو من يقول… " أن المواجهة تخلق دائماً زوابع يفضل الابتعاد عنها".. رفع رأسه قليلاً ليتأمل ضوء النافذة بدقة أكبر، فانتابه الألم ذاته الذي يلازمه صباحاً… ضغط صدغيه بعنف وإحساس الهرب يكبر معه.. هو لا يحب أشياء كثيرةٌ و هذا الوقت بالذات يكرهه بشدة،لكنه أيضاً يمقت مجموعة متناقضات وهذا ما يحيره… فلا بد في المقابل أن يحب نقيض ما يكره ليتوازن وإلا فأين مصداقيته.
شعر بالعجز، لماذا يفكر هكذا، إن عليه الآن أن يعرف الوقت فقط، فأي محاور يحصي وهو يكاد لا يستوعب شيئاً، حاول التملص من ذاته لكن الكلمات بدأت تحاصره، تتداخل وتتجمع حتى ليكاد يراها مكتوبة أمامه، يخيل إليه ان في شخصيته ثغرات لايعرف ترميمها… أهي ازدواجية، أم ضعف إرادة، أم تراها تكوين مشوه لطفولة عاجزة، المتناقضات تطوقه والأصوات ترفض هروبه منها. هو يمارس أحياناً المواجهة والهرب، ويشترك في المرح والغضب، ويهرب من الدنيا والموت ويصاحب المنافقين والمبدئيين، ويصفق للتدجيل ويؤيد المعارضين، ويزمجر أمام الهواة، و يحارب المحترفين. ثم يجمع كل هذا ويرميه وراء ظهره ليبدأ من جديد بدوامة أخرى من مصطلحات لم يستهلكها عقله، و انتفض مرة أخرى، محاولاً استئصال عقم ما يفعل، ألا يكفيه تشريحا لتصرفاته طوال يومه، ليسرق الآن حتى لحظة استيقاظه ثم ما يضره لو كره وأحب الشيء ذاته.
استغفر ربه مراراً، لاشيء يشعره بانتماء مطمئن إلا حين يذكر الله، هو الوحيد القادر على انتشاله من أية عقبة، تطلع إلى النافذة مرة أخرى واشرقت ابتسامته… وتمتم… صباح الخير يا ربي إن كان صباحاً، ومساؤه إن كان مساء. وكبر شعوره بالإنتماء ، شحذ طاقته أكثر، هناك خيوط كثيرة تربطه بالرب، كتب قرأها، أقوال سمعها، أحاديث حفظها، وحلقات دينية وفقهية حضرها، وهو هنا لا يعرف المتناقضات، فمكتبته الصغيرة لا تعرف الجمع بين…"قصص الأنبياء" لسميح عاطف ورواية( التطليق) لرشيد بوجدرة. وكتاب مكارم الأخلاق للشيخ الطبرسي، لن تكون قربه رسائل الجاحظ التي أفردت فصولاً حفظ بعضا منها من أحاط به والبقية تملأ رأسه لتنطلق تصرفاً يقوم به بكل قناعة… "إنهن جنس ملىء بلعنات لا تنتهي قالها يوماً، وقال مرة أخرى" رسول شيطان يمشي على قدمين" وحين احتدم غضبه صرخ- بل بركان من تلوثات كثيرة لابد أن يبقى المرء بعيداً عنه".
لكنه لم يكن يتوقع سؤالا مباغتاً انطلق كاللسعة من أحدهم وهو يقول" لكنك ولدت من امرأة"… صمت أولاً… ثم نظر في زاوية ميتة، وبعدها إنسحب متبرماً،إنه يضيع وقته مع أناس لا يفهمون.
ويتوقف ليسأل "أمه والنساء" هي منهن وهن بعض منها. يحبها، يهرب من اسمها، يتمنى وجودها، يضعها في زاوية أخرى معتمة في ذاكرته، وفي كل هذا هو يشعر بحاجة لا تنضب لوجودها، ورغم كل قناعاته أن لا تجربه لديه مع النساء ليستقي منها اَراءه، لكنه بالمقابل لا يفند قاعدة تقول له.. أيكون مغفلاً ليسلم أمره إلى امرأة تقوده إلى رغباتها، فلا دور له غير التنفيذ كأي أبله، هو يتحول إلى أداة رغبة، كيف يرضى أن يمتهن نفسه وجسده بهذ الطريقة. زملاؤه يسخرون منه، لايهم… بل أنهم يزيدونه إصراراً كلما أوغلوا في عبثهم معه، أطلقوا عليه إسم متصوف، ثم مقعد واخيراً سمع همساً يقول عاجز. لن يثار ولن ينالوا منه.
ومن الذي ينفي كونه متصوفاً فعلاً لكن بطريقته الخاصة التي لن يتوصلوا إليها، هو يعيش بسلام مع شعوره الحيواني، لا واجبات ولا حقوق، بل سلام هادئ لا ينتابه منه إلا ذلك الدوار المزعج صباحاً والهرب من وخزه داخل رأسه"حين تحاصرنا أنفاسنا نلوذ بالأم" لماذا لعبارات شاذة. ثم تلخيص البيان للشريف الرضي، أيرضى كتاب قربه يمرر نظريات وجودية سارتر.
وهناك بغلافه الأسود يركن"جوهرة خطب العرب" لأحمد زكي، كلها خطب مليئة بالنبل، مع كل خطبة، كان يتقمص شخصية ملقيها فيقف مهتاجاً ينفعل، يهدأ، يبتسم، ينصح، ولم يركن قربها أقوال وماَثر غيرها من كتب. كتب، كتب… يدور داخلها وتعيش فيه يناغيها، ويسألها وتجيبه، فتعينه دون غاية أو مقابل. لكن دائماً، وبعد كل سؤال يركن ذلك الشيء الذي يضطهده بتعذيب موجع فلا يعرف كيف يقربه ليتخلص منه، وأبداً يهرب منه مؤجلاً الخوض فيه كمن يخشى الاكتواء.
"لو يستطيع المرء إستئصال الموجع من ذاكرته."
حاول التخلص من،فراشه والجدار أمامه يتراقص مع البندول الذي يستطيل فيه الوقت الذي تأكد من كونه صباحاً بازدياد
وضوحه، ورغم محاصرة الوقت إلا أنه لم يبدِ كبير رغبة في الإسراع، بل أنه حين وازن بين فكرة الإسراع والتأخير،فضل ان يتأخر علّه يتخلص من تلك الجارة التي تشبه الغانية. رفض عارم يثور داخله كلما ألقت تحيتها، وصراع مزعج ينمو، وهو يضغط على شفتيه كي لا ينطق ردها، إلا أنه يذعن في النهاية أمام انتظارها المتعمد.
إن له تزمتاً خاصاً حين تكون هناك امرأة في الجوار، كل من عرفه يعلم هذا جيداً، وله في ذلك قناعه تقول: "أنه دائماً على صواب، فيما يسير الجميع بأقدام شوهاء" عبارة انشطرت عنها عبارات كثيرة عليه أن يلوذ بالأم؟ وهل يصلح الألم متنفساً لتطويق الذات، وأي ألم عليه التشبث به… لوعة فقد أمه منذ سنوات بعيدة أم لنزاع مقيت ينمو فيه كلما أحاطته صورتها، ومن ذاك الذي يجد أسباباً يستغنى بها عن حب أمه، لم يشعر بحب أبيه كما كان الأمر معها، فلم تتوقف يوماً عن تقديم أكداس من السعادة بسخاء إن طلبها وإن لم يفعل؟ هدايا وعلب حلوى ودفق حنان، وكل ما كان يحلم به كان يتحقق معها فقط… ثم بعدها، انتهى كل شيء فجأة، اختفت دون إشارة ذات صباح موحش، بحث عنها طويلاً مع أبيه ومع أناس غرباء،
وبحث عنها لوحده ثم حين شعر بالعجز بكى… بكى بحرقة مؤلمة، لم يكن يبكي الهدايا ولا الحلوى بل فقدها الذي لم يفهمه وقتها.
تطلع مرة أخرى نحو الساعة، لابد له ان ينهض الاّن و إلا فأنه سيحطم رأسه بكل هذه الحوارات النازفة، ليته يتخلص فقط من هذا الدوار اللئيم ليوازن السيطرة على جسده. ترى ما الذي فعله بالأمس غير القراءة، حاول التذكر، وفي كل تقارب كانت صورتها هي ما تتلاقى عندها أفكاره، نعم كل ما قرأه ذكره بها دون أن يشعر كيف تم ذلك، كانت موجودة معه بحضور غريب، وهيئتها الجميلة والنظرة الغريبة المضطربة وأساورها التي تخفيها عن عينيّ أبيه ودفئها الذي افتقده بعد حين… حتى أنه شعر أنها قد رافقته وهو يستغرق بنومه العميق وأنها لم ترحل صباحاً كما فعلت منذ سنوات طوال… وفي أحلامه لم يجدها، تركته مع كوابيس رهيبة لم يستطيع الاستيقاظ منها، بل أنه يشعر إنه لم يفكر أصلاً بالتحرر منها… وشهق داخله إحساس بالخجل والإدانة، ليته لم يسترسل ليصل النقطة التي تضطهده، تلك الأحلام التي يهرب حتى من اسمها، أي فعل مشين يقوم به من خلالها دون أن يرفض قبولهأيكون جسده ملوثاً بأفعال يتغابى عنها عقله. فتختار طرقاً للإنسياب لا يمسكها واقعاً. وأين يذهب سلامه الداخلي وقتها، وحلم الأمس، لم يكن حلماً بل هو فجيعة كاملة.
من أين يأتي بها الآن وكيف له أن يعود طفلاً لا يفهم معنى اختفائها والمهانة التي سببتها دون قصد منها… ليقل عنها ابوه ما يشاء، وليستمر أقاربهم بهمسهم كلما رأوه، لكنه وحده الآن يفهم لماذا اختفت، هي إنسانة رائعة، امتلأت معاناتها قيحاً وهي ترى شريكها يعايشها جسداً خالياً من أية مشاركات وجدانية ففضلت الإختفاء على العيش بازدواجية الزوجة الخائنة.
 ويعود ليسأل نفسه، هل كره ما فعلت؟ وهل أدانها ليرضي الآخرين، وهادنها مع ذاته ليرضي حبه لها، أم تراه ضائع بين ما أرضى به الآخرون وما حارب به نفسه. وهولا يكرهها انه واثق تماماً لتذهب مع من تشاء، لكن كل ما أخطأت به هو تركه وحيداً.
ترى لماذا استفزه ذلك الزميل ذو المغامرات البذيئة بعبارة "وأنت ألم تلدك امرأة" أكان يعرف شيئاً أم هي تهريجات تافهة…
 
شعر بالملل، هو يفكر بشخص مثل ذاك، لا يعرف غير المتعة مهما كانت. وإن كان لايفكر فيه أين جاء حلم الأمس إذن. وعادت الصور المشوشة تغزوه… مكان صغير واضاءة ملعونة… ونساء كثيرات، وألوان شراب غريبة ، وذاك الزميل يجلس قربه، على المائدة ذاتها دون استغراب منه وبترحاب غريب من زميله، كانا يغازلان النساء الملونات ويطلقان مئات العبارات الوقحة… هو… وذاك الزميل كيف ومن أين، ولماذا، وهي كيف لم تساعده بالاستيقاظ والتخلص من ذلك الكابوس المرعب.
أف من كل هذا الإضطهاد، همس لنفسه… هو حلم ليس أكثر، وما دام جالساً بهذه الهيئة المستجوبة فلن يتخلص من كل ذكريات احلامه السابقات … لماذا لا يذهب إلى عمله، فلربما ينسى كل شيء تباعاً. إرتدى ملابسه مستعجلاً. وسار في الشارع وهو يشعر بأنه مريض في كل أجزاء جسده، وصل مكانه دون أن يعرف من أوصله؟ واقتعد كرسيه ساحباً رزماً من أوراق لا يعرف ماذا يفعل بها.
 ولم يهتم لكل ذلك الوجوم الذي ساد المكان بعد دخوله دون أن يلقي التحية على أحد.
خطوات تقترب منه، صدى ضحكات هامسة تنطلق من خلفه، لم يرفع رأسه، بل كان استمر ينظر إلى الأوراق أمامه، فلم يقرأ غير اسمها منقوشاً فوق الأسطر البيضاء، تقدمت الخطوات منه أكثر، وتذكر لعبة أرجوحة بدمية صغيرة كانت آخر ما أهدته، كانت اللعبة ترتفع إلى الأعلى ويخيل إليه حين تهبط إن الدمية تختفي ثم تعود حين تعاود الإرتفاع… أين أخفاها يا ترى! … عليه أن يبحث عنها عندما يعود… وشعر بأنفاس ثقيلة قريبه منه… صوت ذلك الزميل الصاخب بتحية بدت له متعمدة أستنجد بآخر قوته كي لا يبصق في وجهه الذي يقترب منه.
لكنه وجم وهو يشعر بأن المكان كله يتزاحم للأطباق على صدره، في حين كان عقله منشغلاً بفهم العبارة التي أطلقها زميله بخبث:
- اطمئن، لن أخبر أحداً،أين   اكتشفت وجودك بالأمس!
 
 
(انتظرك علك لا تاتي فتحيلني رمادا)
ع. ط
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصص | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر