الموقع الشخصي للروائية العراقية عالية طالب الجبوري@ أهلا بزوارنا الأعزاء

 

أيها الوطن الساكن بين القلب والضمير, أيها الوطن الذي يكبر داخلي كلما ابتعدت عنه..، ،كيف أواجه وجعي الذي لا يتركني أغفو منذ اتسعت المسافات بيننا, انتظر مثلما تفعل أنت عودة صوت المساء فوق ضفاف دجلة


إمرأة في العراء

كتبهاعالية طالب ، في 13 تشرين الثاني 2007 الساعة: 16:29 م

إمرأة في العراء
 
"لماذا ,أمد ذراعي دائما فلن أتلمس غير الظلمة"
 
زحفت رائحة الطين مغلفة الأنفاس بطريقتها المعهودة مثل كل يوم ..يبدأ التضاوع خفيفاً مع الرشقة الأولى حينما تتقيأها الكفان المعروقتان ثم تتصاعد حثيثاً لتملأ المكان بنسماتها التي ألفها طويلاً فتتشبع حواسه بانتشاء وبمتعة يلذ له استنشاقها بقوة حتى تذوب النسيمات فيه فلا يعود يشعر برغبة لشهيق جديد كما فعلها أول الأمر. تلفتت عيناه تبحثان عن تيبس لم تدركه كفاه بالارتواء واستكانت حواسه بغمر ارتياح حين واجهه البلل في كل بقعة رصدتها النظرات .
    ارتوت أرضه ماء بعد أن شبعت طعاماً سخياً هذا اليوم ,وجباتها لا تنتهي تبتلع ولا تكف مضغها, مرات عديدة حادثها وجها لوجه كما يحس متأكداً من أنً لها واحداً بلا شك ,ويتمطى صوته واهناً وتبدأ علامات الاستفهام تتكاثر دون أن ترضيه بإجابة تسكت ضجيجه العجوز,كم بلعت ؟ وكم انتشرت داخل شقوقك ديدان وعقارب نهمه؟ ألا ينتابك إحساس بالتخمة يوماً فتكفين ؟لكن ومثل كل مرة أيضاً يشعر بالخوف فيتضرج وجهه حياء مرعوباً ويهدر مستجمعاً قوته "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم "دائما ينهي حديثه معها هكذا ويرتفع وجهه عالياً خائفا ًمن نظرات الرب التي ترصده بغضب فيعاود التضرع " تخريفات رجل عجوز يجد راحة مع زوار لا يتكلمون ""لا تؤاخذني أيها الرب ,إن هي إلاتخريفات مسنة".
    ويضع سطله الأبيض مكانه المعتاد..ليسقط جسده منهكاً بعد جهد الحديث الذي حفظ حواره ..
    انتشت الأرض باستقبال ما بعد الظهيرة, لابد أن يكون هناك زوار جدد فالأرض مهيأة بشواغر ما زالت كثيرة والسكون جميل وصدر العجوز بانتظار الأنين الذي تستجمع له مشاعرها المستنزفة يوماً فتعاود سيل دموع جديدة, ولديه يقين أنهما سيحفران أخدودين صغيرين فوق وجنتيها .من أين تأتي بكل هذا السيل !!يا ترى هل للنساء دموع أكثر من الرجال !!أم إن لهن ضعفا ًأكبر .إنه آه ..لو إن لديه قدرة على اراحة مشاعره كما تفعل يقينا لأصبح أحسن حالاً..لكنه جرب ذلك مرات عديدة فلم يفلح يوماً,فكيف تستطيع هي دون معاناة إن تجعل أنفاسه تعاني من الاختناق وهي تضغط كل مشاعر الصخب داخله,ربما هو سر أخر يضاف إلى غموض امرأة ,رغم بساطة الذي تعيش معه منذ سنوات لم يعد يذكر تاريخها الآن لكنه يشعر بالأسى لمشاعر المرأة أيضاً,تصرخ ,تلتاع ,تشق الصدر والثياب وتكاد تزهق الروح فيما يقف الرجل متصلباً تحقيقاً لرجولته .. هنا تبدأ المباراة ,كلما أضحى الرجل أقوى بخنق مشاعره,كلما كان يستحق لقب الرجولة ..وفي المقابل على المراة ان تبرهن على رهافة مشاعرها بشتى الطرق لتستحق لقب أنثى رقيقة الإحساس,يالها من موازنة عجيبة .
    أتكون تلك فلسفة اكتسبها من الوجوه التي تطرق مملكته على مدار الأيام فيرتبط بصداقات حميمة معهم .بعضها يستمر أحياناً لاكثر من سنة ,وبعدها تأخذ الحياة حصتها فتنسي صاحبه الجديد وجه العجوز والأرض الندية ,وأشجار السدر الضخمة فلا يعود يذكر ساكنيها حتى ولا في الأعياد ,ويحتل أصدقاء جدد محل القدامى وتدور الرحى دون توقف أما عنه هو فقد ضاعت حياته دون أن يلتفت احد لوجوده ..يتركونه وحيداً بين أطلال أحبتهم ,يحرسها لهم , يسقي زهورا أنبتوها وأشجار بدأت تعلو ,ثم يورثونه مهمة رعايتها دون وصايه فيأخذها بدوره دون تذمر ,كما يتبنى رجل محروم طفلاً ترك وسط الطريق وحيدا ًوحين يصبح رجلاً يتركه ليعاود الكرة مع آخر لابد سيجده في ذات الطريق المعروف لديه .
    تبعثرت أفكاره  فجأة …هناك صوت خطوات جديدة تطرق أذنيه هو يعرف خطوات زائريه المألوفة لكن الجدد باستطاعته دائماً حدسهم دون أن ينظر إلى وجوههم بالضرورة ,خطوات نسائية تطرق الإسفلت الذي استحدث مؤخراً,التفت برأسه الأشيب فامتلأ المكان بعطر عذب يتابع الخطوات الرصينة المتمهلة.
    استوقفه منظرها والتقت نظراتة مع العجوز التي تقرفصت لصق كرسيه الخشبي بأضلاعه المكسورة لأكثر من موقع الذي اصبح يؤذي جسده بوخزاته الأليمة..
    هتفت منفعلة؛-هل رأيتها ؟
    كانت لهجة العجوز متوترة فعقب على كلامها بهزات متعاقبة من رأسة
-إنها ..ما هذه..!
-وما يهمك أنت!!
-لكنها ..تبدو وكأنها أخطأت المكان .
-اخفضي صوتك حالاً.
 
سكتت العجوز دون أن توقف نظراتها التي سلطتها وراء ظهر الفتاة والرقبة العارية المزينة بسلسال يخفق بمرح .
فعاد صوت العجوز
-حتى القلادة..ترتديها "بالمقلوب".
ضحك ملء فيه ,حتى دمعت عيناه وحين أحس بغضبها الذي ظهر حزيناً فوق وجهها..أجابها:
-إنها الموضة يا أم غائب ..الموضة وليس "مقلوب".
-عجايب .
زمّت شفتيها ونهضت بخفة, تروم الفتاة لتعرف أين ذهبت. نهرها العجوز,لكنها لم تبال لصياحه وراءها حتى اختفت هي الأخرى من أمام بصره .
    لها الحق أن تستغرب من منظرها..زينتها حليها,الألوان الجميلة التي تغزو وجهها ..ملابسها كل,كل هذا لايناسب المكان ,حتى ليخيل إليه إن زوجته قد صدقت وانها فعلا قد اخطات المكان، لكن كيف يجوز هذا، أيخطى انسان في زيارة مكان كهذا، ربما يخطئ في طريق في محل في مقهى الا ان يخطئ هنا.. ذاك لايجوز .. ثم لماذا يشغل نفسه بها.. قد يكون الامر لديها ذكرى قديمة وجدت نفسها قريبة منها فقررت الزيارة وذاك شئ يحصل بعد مرور سنين طوال على الالم فلا يصبح مؤذياً بل ان ما تبقى منه ليس سوى احداث مشوشة تنقصها العواطف والمشاعر الحادة.
شغل منظر الفتاة مخيلته كثيراً ولم يلق بالاً لكثير من الداخلين والخارجين، يرد التحية بطريقة آلية اعتادتها يداه، دون ان يعرف لمن يوجهها، انما هي العادة فقط لم يكن ينزل يديه لتحية جديدة حتى عادت العجوز بانفاس متقطعة وكأنها قطعت مسافة رجوعها ركضاً.. اقتربت منه وملامحها مزيج من أشياء لم يألف انعكاسها على وجهها..ماذا حل بها ياترى..
-ما بك ؟
-شيء غريب ..هناك شيء غريب ..
-ما هو؟!
-الفتاة..إنها .قد ..أوه يا الهي ماذا أقول
    "تبدو غريبة ..رأيتها تبحث بين الاسماء وتطيل التحديق في الصور المؤطرة وتتركها لتبحث عن أخرى ..ثم ..ثم ..استقرت أمام وجه شاب جميل..و..بدأت تحادثه ..حتى كدت أصدق أنه يسمعها..كنت قريبة جداً ولم تهتم لوجودي إنها تنصت بانتباه..داخلني رعب حين توقعت إنها تلقى جواباً لحديثها ..قالت إن اسمها (سراب) وهي معجبة به,تريد التعرف إليه أكثر بعد أن قرأت اسمه المنقوش والتاريخ الذي يحمل رقمي البدء والانتهاء..أتصدق..وهناك ما هو أغرب.قالت له إنها ستأخذه اليوم معها لتتعرف إليه أكثر وليس له أن يعترض..داخلني الرعب وبشدة ففزعت وهربت جرياً إليك تاركة إياها تسترسل حديثها دون انقطاع .."تعبت العجوز من الجهد الذي بذلته وامتدت يدها دون وعي باتجاه السطل الأبيض الذي استعمله زوجها قبل قليل وغرفت منه ماء تناثر فوق فوطتها مبعثراً..ولم يهدأ اضطرابها فجلست وكأنها تسقط من علو شاهق فيما عيناها تتعلقان بوجهه انتظاراً لجواب عن تساؤلاتها .سكت العجوز طويلاً حتى إذا عيل صبر زوجته أجابها ساخراً:
- يبدو إنك الأخرى أصابتك العدوى.
- ماذا تقول؟
- أقول إن ما تقولينه أوهام اختلقها رأسك المتعب الذي لا يهدأ دوراناً بين الأحاديث.طلبت منك مراراً أن تسكني بعيداً عن هنا إلا إنك تصرين على البقاء قربي,وهاك النتيجة ,فماذا سأفعل الآن لإرجاع صوابك,أخبريني .
- تظنني مجنونة؟
- وهل دل حديثك على غير هذا.
    انتفضت واقفة ورمقته بنظرات غضب يعرفها جيداً,نفضت ملابسها بعصبية ودخلت الغرفة المركونة قرب البوابة الضخمة دون أن تقول كلمة ,بدأ المساء يمتد سريعاً والفتاة لم تظهر، فترك مكانه ليبحث عنها ,بدا المكان قفراً ولم يهتد لمكانها .فكر لو أنه اعتلى التلة التي تتوسط الأنحاء لأشرف على كل شيء وباستطاعته حينها أن يعرف أين تكون,لكنه حين وصل المكان مجهداً لم يجد أحداً,استدار بوجهه صوب البوابة فلمح طيفاً يتهادى خارجاً بهدوء غريب ..كيف وصلت البوابة دون أن يراها .لقد سلك طريقاً لابد تعود منه إذا أرادت الخروج فكيف لم يلحظها .هبط التل وأفكار تسبقه ,كان عطرها يملأ المسافات .لابد إنها سارت من هنا ,لكن أين وجدتها العجوز جالسة!"لم تخبرني تلك الخرفة فقط بحديثها العجيب".
    أقفل البوابة ودفع أحجاراً صغيرة تكومت أمام غرفته ,كان الضوء ضعيفاً يسقط فوق الأشياء فيحيلها خيالا ًمن ظلال تأخذ أشكالاً مبهمة اقترب منها ,فلم تتحرك من مكانها .جلس قريباً - منها فأدارت وجهها يميناً.
- يبدو انك غاضبة.
-         
- لا تغضبي يا أم غائب وأفسحي لي مكاناً قربك.
تنحنحت العجوز وأفسحت المكان صامتة.
***
- الليلة ,ليلة عرس وحشي .
-         
- هل تشعر بالغربة هنا.
-       
- سأعيدك غداً.فلا تصمت هكذا.
صدحت انغام هادئة ….. وتحركت أقدام فتاة مضطربة، تشابكت أياد ناعمة حول جسد جميل فغفت أحلام متوترة فوق ملابس بيضاء وهمية تبعثرت دون نظام ,حلت في غرفتها الفوضى لكنها لم تبال وضحكة منزوعة الخوف تعلووتختفي، وخيال غير مرئي يرقد بين الحدقتين الجميلتين.
- لست مرتبطاً بأخرى..وستكون لي وحدي الليلة.
-   
وابتدأت ليلة العرس الغجري ولم تنته.
    شعرت العجوز في الغرفة الصامتة بالجدار يلاصق ظهرها ببرودة لذيذة وجثا الرجل عند قدميها كما كان يفعل سابقاً أياماً وأياماً ربما كان غضبها مساء هو السبب ,وربما تلك الفتاة لها تأثير ما بشكلها المريب ذاك.. وكانت الفتاة هناك تحتضن هي الأخرى خيالاً فتيا ,تحس بالأنفاس تلهث فوق وجهها، بابتسامة رائعة تضيء ظلم غرفتها .بذكريات لا تعرف ازمانها .إلا أنها حصلت كما تحصل الآن,لكن متى هي لا تذكر لكنه كان هو من شاركها تلك الأزمان المبهمة وإن كان هو الأخر لا يذكر-لكنه هو – شعره لون عينيه,الشفة السمراء المتدلية والنظرة الهادئة,وفجأة شعرت بالأسى علية.سينتهي كل هذا غداً,ليس أمامه غير ساعات قليلة ,رغم أنه قد بدأ يألف المكان .فقد تلاشت وحشته وهداً اضطرابه, آه أيها المسكين إن هي إلا ساعات وسيعود جسدك إلى مكانه الضيق المظلم مرة أخرى,ليعود اخر بثياب بيضاء جديدة تفوح برائحة الكافور- احتلال غرفتي .
    , عاود العجوز حمل سطله الصغير والبرك الصغيرة تعود للنمو مجدداً,سأل نفسه "ترى أستأتي اليوم أيضاً"كان يشعر إن عطرها مازال موجوداً وحاول أن يسأل زوجته عن البقعة التي رأت الفتاة فيها لكنه تراجع خشية إثارتها مرة أخرى.
    أنهى عمله وانزوى السطل ثانية قي مكانه ,وبدأت وخزات الكرسي العتيق تداعب جسده..عندما أحس بالمكان يموج برائحة عرفها أمس ..تلفت كالمذعور واكتظت الأصوات بوقع خطواتها .لم تلق التحية .ملابسها اليوم أجمل من الأمس ,وحليها تلمع ببريق ساطع ..أجفلت نظراته فالتقت عيناه بوجه زوجته وساد صمت موحش.
    نهضت العجوز لتلحق بالفتاة ولم يعترض طريقها,هناك أمر غريب ..أتراها مجنونة,إنها محيرة,هي مازالت صغيرة ,وليست متزوجة لم يلحظ أصابعها على أية حال .ترى أهو زوجها إذن من يرقد أم هو  قريب عزيز عليها .وربما ليس كل ذاك وإلا لحضرت بهيئة أخرى ,إذن من يكون ,أف له,لماذا لم يحادثها ربما لاكتشف منها شيئا ًيقتل عاصفة الأفكار داخله.سيحاول ذلك عندما تخرج.لن يترك مكانه حتى يراها.ثم بغتة أطلت زوجته مهتاجة وخطواتها تجعلها تهرول فزعة.
ـ ماذا حصل ؟
ـ أقسم الآن .إنها مجنونة.
ـ كيف؟
ـ لم تذهب إلى قبر الأمس بل لامست الزجاج البارد للصورة ورفعت يدها والقت التحية ثم استدارت وجلست عند صورة جديدة معيدة الحديث ذاته ..اه..يازوجي ـ لكم أسفت على شبابها حديثها غريب لم أفهمه…قالت له "سأحاول كسر جمود صخرتك الثقيلة لأحملك على ذراع شفافة تسقيك كأس إعادة الحياة ولو لساعات وبعدها ستبقى متجدداً. حتى مع وحدتك الموحشة بانتظار المجهول الذي تترقب "ماذا تعني أيها الزوج الطيب ..أخبرني"بمشقة تابعت كلامها ,لم أفهم سوى أنها غير طبيعية أظنك توافقني ,أليس كذلك !…لكنه لم يكن يتابع حديثها كاملاً فنظراته ترقب المكان الذي ستأتي منه الفتاة وليس له أن يضيعها هذه المرة,طالت به الساعات وأحس بضجر الإنتظار. ما له وكل هذا ,لماذا ينتظرها, إنها لاتؤذي تأتي وتذهب كالطيف وما عليه إن حادثت أناساً موجودين أو لم تفعل ,تلك مشكلتها وعليها تحملها .
    انتعش المكان بعطرها ,تحرك رأسه متجهاً ناحية الطريق,لكنه لم يشاهدها,وحين استدار ناحية البوابة كانت هناك بقايا ظلال رشيقة تنسحب وراءها ببطء,لم يستطيع الرجل التحرك ويد الزوجة تهزه متراخية,انتبه لحركتها الرتيبة وفاجأه صوتها.
- أكنت نائماً؟
- كلا .
- كنت احدثك منذ زمن ولم تجبني
- كيف ..وأنا رأيتها الآن.
- من؟
-الفتاة.
-ليس هناك فتاة.المكان خال.
    لم تعد أعصاب الرجل تحتمل- حمل مفتاحه الضخم ووارب البوابة…علا صوت صريرها موحشاً وسط السكون دلف إلى غرفته التي أضاءتها دون أن يعرف هو متى فعلت ذلك.
***
-الليلة…ليلة عرس وحشي أخر..
-….
-أعرف اسمك وحياتك..وأنت لي وحدي.
-….
 
انزع ملابسك البيضاء ..ولأحدثك فلا تشعر بالسأم …وبدأت رحلة الأيادي تتشابك من جديد ,والعناق يطول والهمسات تعلو، لديها واقع أنها أربع أذرع .لكنها تبقى عند من يراها اثنتين فقط ولا يهمها هي يقين الآخرين.إنهم كثيرون, ويتكاثرون دائما ,كم من العمر يلزمني لاستيعابهم جميعاً…لدي شوق ليس لانتظارهم بل للذهاب معهم .لكن ليس الآن, بل حين يأتي يوم لا يحتله جديد ,سأذهب أنا لاحيا وسط حلقتهم دون إبطاء.
    بعد الظهيرة..كانت الأرض قد تشكلت بصور جميلة والهواء كان طريا…شجرة السدر طرحت حبات كثيرة بعد الليلة العاصفة لكنه لم يجمع كل ما سقط فلم تعد لديه قدرة على الانحناء طويلاً بهذه الفقرة المتسوسة في وسط ظهره الذي يزداد تقوسه ,أوه ما باله يفكر بثمر السدر الآن .ووقت وصولها أصبح وشيكاً.حين تداعب الشمس رأس هذه النخلة العالية ستظهر وهي دائماً جديدة يسبقها عطرها .كم مضت من الأيام على أول زيارة لها ,لم يعد يدري لكنها أيام كثيرة لم يحصها خوفاً عليها من الانتهاء قد حادثها لكن كأنه لم يفعل  .فلم يفهم شيئاً محدداً.سألها إن كان من تزوره رجلاً أم امرأة ..فأجابته بصوت خيل إليه إنه يأتي من بعيد:
-كل الساكنين هنا رجال.
-بالتأكيد لا..فهناك نساء كثيرات.
-إذن لماذا لم أشاهد عرساً.
-ماذا ؟
رنت ضحكتها,فحدس بأنها تمازحه وعادت تقول:
-إنهم جميعاً رجال ,وأنا المرأة الوحيد بينهم .
-أتعرفينهم جميعاً.
-نعم ..نعم ..يزورون بيتي كل يوم ,لكنهم للأسف قاربوا الإنتهاء.
-لم أفهم.
-ليس مطلوباً منك ..وداعاً.
    لم يستطيع اللحاق بها ,مجرد أن تتخطاه تتحجر قدماه وكأنهما شلتا… في اليوم التالي لم يأت زائر جديد-ولم يشق السكون صراخ ثاقب ولا نواح حزين .
وهدأت دموع زوجته باستراحة قصيرة…ماذا قصدت بأنهم شارفوا على الانتهاء.لم توضح ,وذلك مزعج لا يهم ستأتي اليوم وسيطيل معها الحديث.
اعتلت الشمس ذوائب السعفة الصفراء .صفرت الريح بصوت كالعواء واصابه البرد برعشات أوجعت فقرة الظهر المتسوسة وفجأة انتشر عطرها.كان وجهها جميلاً جداً,لكن نظراتها بدت غريبة تائهة,القميص الاصفر يتدلى منزوياً على أطراف عنقها ليظهر جمال عقد ثمين يلمع وسط بشرتها .ما بالها تزينت اليوم وكأنها عروس تزف الآن …رفعت بصرها باتجاه التلة ولم ترد على ابتسامة العجوز ولا صوته الذي هتف بالتحية وكأنها لم تعد تسمع شيئاً
    أسرعت بالمسير والعطر يشهق بعنف .بدا الليل يهبط مبكراً ,تباطأت خطوات العجوز وهو يتحرك صوب البوابة الضخمة,لكنه تذكر بأنها لم تخرج لحد الآن ,يالله .الليل يغمر المكان فأين ذهبت وسط هذه الوحشة الكئيبة .
    أشعل فانوسه القديم فاعترضته العجوز صاخبة:
-إلى أين ؟
-سأبحث عنها ..لابد إنها نسيت نفسها .
-الآن!!
-متى إذن .
لم ينتظرليسمع المزيد … لم يكن يدري اين يبحث لكن عطرها كان يجذبه فاختاره دليلا لمكانها، اتكون قد خرجت دون ان يراها، لكن ذلك مستحيل فلم يبرح مكانه، اضناه البحث والعطر لايرحمه،في اعلى التلة توسط صور الرجال،احاطوا به كالحلقة
وأحس بانزعاج واضح .صرخ مبحوحاً ًس…ر…ا…ب..أين أنت..سراب ..لم يسمع جواباً واستمرت صرخاته تدوي. والصمت يعانده فيسقط واهياً فوق الصور .صرخ مرة أخرى "لابد ان أحدكم خبأها أنا أعرف إنكم تعرفونها جميعاً,من منكم اختارها للبقاء,أجيبوا وبسرعة"لكن الصمت استمر متخاطفاً أجوبة لا تأتي ,تعثرت قدماه بشيء أربكهما..ما هو يا ترى ؟أحنى رأسه .قرب نور فانوسه وحمل قطعة قماش .. وهناك شئ اخر ايضا. وهذه حليه ثمينة تلمع امام نوره الضعيف والعطر يملأ المكان منبثقاً من قميص اصفر تحمله اصابع العجوز بارتباك شديد.
لم يعد يحتمل العطر اكثر واجتمع الصخب فأوهى جسد العجوز فسقط متداعيا فوق كومة الملابس التي يعرف عطرها،… حينها تيقن تماماً انه لن يرى الفتاه في اليوم التالي كالعادة.
 
 
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصص | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر