دعوة إلى الجنون
كتبهاعالية طالب ، في 13 تشرين الثاني 2007 الساعة: 16:27 م
دعوة إلى الجنون
كانت تجلس كمن يتفقد جرحاً طال وقت اندماله، فلا نظراتها كفت عن بحثها فوق كل ذلك الجسد الذي تمتلكه، ولا أصابعها توقفت عن رسم تلك الوجوه في الفضاء أمامها، يندفع إصبعها ليدير قرص الوجه ثم تكتمل الشفتان .. والأنف وتبدأ بمحاولة تدوير العينين فتفشل، امتلأ الهواء بوجوه دون عيون، فشعرت هي الأخرى بظلمة قاتلة قد تعوقها باكتشاف ندوب جسد اعتزت به طويلاً، وحين أرهقها برضوخه تخلت عنه إلى غير رجعة. وفي وسط ذلك الاكتظاظ كان الهاتف ما يزال يعذبها بوحشية هادئة .. خمس ساعات ماتت من حياتها وهي تنتظر بغرابة لا تفهمها، ما الذي تنتظره؟ أعادت السؤال مراراً رغم يقين الجواب لديها، فتخادع نفسها بانها لاتنتظر شيئاً .. بل هو فراغ هائل يغزو رأسها ولا يدعها تفكر في حالة محددة بذاتها، أي عقل صامت تمتلك، لا ذاكرة تولد،ولا أحداث تورق، ولا أشخاص يتحركون، فقط وجوه عمياء تؤطر صوراً تقرفص فوق كل ذكرياتها، لكن بغير استرجاعات … أربع ساعات ووقت عودته مازال بعيداً، إلا أنه يحبطها باقترابه.. سيقف أمام الباب ليطرقه أولاً وكأنه يعلن عن وصوله قبل ان يدير مفتاحه ثم يدخل متراخياً ليتمطى فوق مائدته التي تكره إعدادها ويسترخي فوق جسدها الذي تمقته منذ أن تخلت عنه بتلك الورقة اللعينة، وبعدها تبدأ رحلة تثاؤب غبي على صوتها الذي تستطيل فيه الحروف، وتعود لتنقذف وراء أسوار قيلولة رتيبة يمارسها باضطهاد قسري، وتبقى ترقبه وهو يبتعد عنها بمسافات أكبر وأكبر .. فتلعن أشياء كثيرة أحبتها يوماً وعشقتها أياماً وحلمت بها سنوات طوالاً لتكتشف بعد كل هذا لعنة صغيرة تسقط من بين شفتيها تحمل اسمها.
ثلاث ساعات، وذاكرتها تأبى الانصياع لرغباتها .. أتكون إنسانة ميتة دون أن تدري؟ أقفاص لا تتوقف تحجمها مع كل يوم يولد وتستقطع أنفاسها بألوان معتمة، وبماذا تفيدها ذكرياتها الآن غير أن تزيد عذابات تجلدها بسياط لا ترحم.. كان عليها أن تفهم معنى تمطيه الدائم فوق كينونتها، انه يسخر منها بطريقة لئيمة في اللحظة نفسها التي يشعرها فيها بأهمية تفاهتها.. أيحاول تسطيع مشاعرها لتصبح دمية تتحرك بأزرار آلية..أي لؤم تدور داخله هي تعرف كل هذا منذ سنوات لكنها تخفيه حتى عن نفسها دون أن تسأل لماذا؟ أعليها أن تحافظ عليه، ولماذا؟ أم إنها تبقى على زواجها فقط مع سؤال آخر.. وماذا يعني كل ذلك غير شلل ينمو فوق جسدها كأعشاب طفيلية ترقب اطرادها لتتباهى بقدرتها على التحمل ومن سيعطيها وسام قدرتها؟ هو؟ أم الآخرون؟ أم هي؟ ،أية خرافة وأي تزوير، شبكة أم شرك تحمل أم ضعف قرار؟ لوثة أم فقدان.. أسئلة تعيش فيها فتقتل خلايا لا تجد طريقة الانشطار.
حتى.. حتى.. تلك اللحظة التي انتظرت فيها أن يسألها إن كانت قد أحبت قبله، يومها أرادت أن تبقى تتكلم دون توقف، انتابها إحساس رائع بأنها تكاد تحلق إنها فرصتها لتقرب مشاعرها منه، فلربما لا يعرفها دون أن توضحها له.. تحدثت.. كثيراً، كثيراً جداً إلى أن أحست بالتعب ثم استدارت لرؤيته فلم تكن تواجهه خشية أن تتوقف لو رأته يراقبها وليتها لم تفعل..أصابها دوار مؤلم كان يتثاءب مستهيناً بوجهها الذي انفعل احمرار وبحركات يديها المضطربة وبنظراتها التي تألقت.. لم يشعر بكل ما لديها من لهفة، ،استغفل محاولتها لأشعاره بأنها بحاجة إلى كل ما سردته وماانتظرته منه جرح حتى دمها وهو يستدير مولياً ظهره بعيداً عن ضوئها متمتماً.
-إنها نزوة صبا، مؤكد لم يكن حباً.
-أية طعنة، جربت إن تهادنه، فليكن ما يقول، لكن ألم يشعر بانفعالها وهي تستقبل نزوتها بحيوية تنبثق من ذكرياتها.
-ساعتان والهاتف على صمته.. القلق أتعب أصابعها التي شوهت وجوهاً كثيرة رسمتها منذ ساعات، لماذا لا يرن ألان، هي بحاجة لسماع صمته الدافئ وراء أسلاكها، لا ينطق حرفا، ولا آهة صغيرة، صمت جميل، سماوي، نقي، مؤكد هو من يتصل، منذ أن رأته قبل أسابيع، وهاتفها لا يكف عن رنين متواصل، وصمت أجمل، يوم لن تنساه أعاد إليها دفقة حياة لا تعرف كيف تمتلكها كلها دون أن ينازعها بها استرخاء مشاعر زوجها، كان المطر دافئا. أصرت على انه دافئ رغم تكور زوجها وراء مقوده بطريقة بائسة فوق مساحة أكبر من ممتلكاته، يومها استلذت إيلامه، إن عليه ان يشاركها حبها، الله بعث لها بقطراته فلم لا تحتضنها بقوة، وأيضاً لم يفهم رغبتها بعيدا تماما بمسافات لن تقصر أبدا، وتمادت، خلعتحذائها وبللت قدميها ولم يعد يطيق صبرا فتح باب سيارته وحاول جذبها وهو يصرخ.
-سيبتل المقعد بملابسك كفاك.
بقيت لديها ساعة واحدة فقط.. لا يهم لحظة واحدة.. لايهم.. لحظة واحدة الآن تغنيها عن سنوات، وتكفيها لاسترجاع صورة وجهه الذي رأته يومها قبل أن تدخل السيارة مرغمة، كان موجودا، صورة طالما رسمتها في الهواء بعيون حنون تعرف كيف تعشق ومتى تعطي وكيف تصمت وتتكلم، وتسخر.. لم تكن نزوة كما سماها زوجها. كان حقيقة صادقة عاشتها واستلذت ديمومتها حفنة من ثورة تدمر جليدها تقسم أنه كان أمامها، من أين جاء؟ لماذا؟ والان بعد سنوات الموت التي حنطتها.. لا تفهم غير وجوده قريبا مبتلا تماما، يستقبل ماء الله معها.
ذات الهواء المغسول بطهارة، هل شعر بوجودها؟ .. لماذا لم يحادثها، أكان يرقبها، هل رآها، لماذا لم يقترب اكثر. ألغى كل قيودها تلك اللحظة، فهل خشى ذلك الإلغاء وتوقف، أم ماذا؟ ولم تعد بحاجة لقسم جديد لتثبت أنه كان موجودا.
نصف ساعة بقيت لوصوله متثائبا لم تكمل إعداد مائدته مثل بقية الأيام التي تصرمت بعد أن رأته وسط المطر.
لم تدع المائدة تخيفها ولم يعد جسدها يهينها .. ولا صوتها يجرحها، ولا إحصاء سخريته المتعمدة منها .. تبا لذاك السرير المفروش بعبوديتها وذكرياتها التي هشم صروحها .. ليست بحاجة لإحصاء أي شئ الآن، لن يفيدها ذلك التعذيب الذي أدمنته، فليس لديها شاغل غير وجوه ترسمها في الهواء، وسماعة هاتف ترفعها مرارا لتستقبل صمتا حبيبا لا يحادثها، لكنه يفعمها صورا وسعادة وثورة عشق أبدي.خمس دقائق بقيت، وصوت خطواته تقترب من أذنيها، وفجأة اكتظ سمعها برنين هاتف انتظرته .. واسقطت ساعدها فوق لهفتها رفعت السماعة ثم همست:
ـ آلو..
في اللحظة ذاتها كف زوجها عن طرق الباب مستعملا مفتاحه وصارخا لحظة ولوجه:
ـ لماذا لم تفتحي، ألم تسمعي خطواتي..
ـ آلو..
والصراخ يعلو امامها.
ـ أغلقي الباب ورائي، مابالك صامتة.
واستمرت تهمس بصوت أعلى:
ـ آلو ..
والصراخ يزداد بخطوات تبحث عن مائدة لم تعد.
ـ أين أنت؟
يدها تتشبث بسماعة باردة وتصرخ
ـ آلو ..
وصوت يتثاءب وراء باب المطبخ كئيبا.
ـ لم تعدي المائدة .. ماذا دهاك؟
ـ آلو .. أجبني.
وخطوات تقترب منها تحمل وجها دون عيون.
وظلمة تكتسح اقترابه .. انتظر ثانية صغيرة ثم أمسك يدها المتثلجة وسحب السماعة منها وأغلقها.
واجهت نظراته بوحشية مخيفة .. وازدحمت الأسئلة في رأسها، أهو خامل، مضطرب أم غاضب، مسترخ أم كئيب أم ساخر أم مستغفل، رجل أم ورقة شرعية، زوج أم شاهد على جريمة قانونية، جسد أم رغبة متمطية، قيد أم تراه سوارا ذهبيا.
كل أسئلتها قرأها دفعة واحدة دون أن تنطقها .. وشعر بزمجرة تنبثق من مكان ما. وبشئ يقترب بسرعة رهيبة، أفلت ذراعها وسالها مرتعبا:
ـ مابك؟
وعلا رنين الهاتف في رأسها ثانية، مزقت سؤاله وهرعت باتجاه الهاتف..
ـ آلو ..
والصمت يقتل المسافة بينها وبين زوجها، كان يرقبها وكانت تشعر به، إلا ان مكانه كان بعيدا جدا، صعب عليها تحديده، حتى ملامحه لم تعد تراها جيدا ولا همهمات كلمات ينطقها، ولا حركات يديه اللتين تلوحان متشنجتين .. كان يبتعد بسرعة شاهقة وتقترب هي من صمتها الحبيب، وتكاد تسمع كلمات تطرق اذنيها .. من منهما تكلم الآن .. وجه بعيد بمسافات ميتة أم صمت قريب يخترق أنفاسها.. وصرخت تستنجد:
ـ آلو ..أجبني.
الصمت يطوقها وزوجها يقترب والظلمة تخنقها .. وقف أمامها فلم ترغير ملابس كانت تعرفها .. امتدت يده لتمسك
سماعة أصبحت آخر مالديها من سلاح .. سحبها منها واغلقها فعلى رنينها داخل رأسها مرة أخرى .. وقبل أن تمد يدها سحبها هو بعيدا داخل دائرة كانت تراها قبل قليل بكل مسافاتها المتعبة .. سمعت صوتا يصرخ من مكان ما…. ويمتلئ به بيتها يصطدم بجدرانه ويسقط فوق سطوح مساماتها.
ـ لماذا ترفعين السماعة كل قليل.
أجابت دون أن تعرف من الذي يسأل.
ـ الهاتف يطلبني .. فلا أجد عملا غير انتظاره .. أمسك وجهها بيد احست بها ميتة .. قرب شفتيه من اذنيها اللتين عاد إليهما صوت الهاتف، مرة ثانية حاولت التملص منه ونظراتها تتوسل، لكنه أطبق عليها بقوة، وصرخ بصوت حاقد:
والهاتف مازال يدعوها..
أنت تتوهمين. الهاتف معطل منذ أسابيع.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصص | السمات:قصص
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج









































