الموقع الشخصي للروائية العراقية عالية طالب الجبوري@ أهلا بزوارنا الأعزاء

 

أيها الوطن الساكن بين القلب والضمير, أيها الوطن الذي يكبر داخلي كلما ابتعدت عنه..، ،كيف أواجه وجعي الذي لا يتركني أغفو منذ اتسعت المسافات بيننا, انتظر مثلما تفعل أنت عودة صوت المساء فوق ضفاف دجلة


المحاولة الأخيرة

كتبهاعالية طالب ، في 13 تشرين الثاني 2007 الساعة: 16:25 م

المحاولة الأخيرة
 
اشعر بالاسى، وبشئ يشبه الخرافة يدور داخل أوردتي، يقتطع بعض وريقات فرح تسنى لها أن تنمو يوماً ثم تلاطمتها عواصف خريف يبدو لي انه ابتدا بملازمتي قبل ان أولد. انا اشعر بالانتهاء ولا اعرف كيف يمكن لإنسان يشعر بالموت أن يمارس لعبة الحياة بخجل من يحتل مكاناً كان عليه مغادرته قبل أن يمتلكه .. إحساس بأنه غير مرغوب فيه، ترى هل انا غير مرغوب في أم أن تلك الرغبة هي آخر ما تستهويني الان.
اشعر بالأسى يقتلعني من جذور أيامي، يشطب فرحي، مشاعري، لهفتي، ولعي بالأشياء، سعادتي التي تلوح لي كالفقاعات تنفجر قبل أن المسها، دموعي التي اكرهها، غثياني من انسانيتي التي أتعبتني، خوفي من بقائي فوق جبل غادرته الأرواح، اشعر بالأسى بالهرم، شيخوخة كاسحة ملأتني منذ تخطيت عامي العشرين، لاصقتني ولا أجد فكاكاً منها رغم كل بؤس محاولاتي التي واظبت على الإقدام عليها …. شاركت في أمور تافهة وأخرى خطيرة.
انتميت إلى أحزاب وهمية واخرى حقيقية، سافرت الى مدن أجهلها وأخرى أعرفها، صافحت أيدي ناعمة ,اخرى مشوهة، لامست قاع المدينة وتسلقت أهراماتها بسهولة. تصالحت مع خصوم لم أنازعهم وخاصمت أصدقاء أقحمتهم في متاهات وهمية تسكن رأسي. عشقت رجالاً دون ملامح، وكرهت ملامح دون شخصيات ..ومازلت اشعر بالاسى، لو انني فقط أستطعت أن اجتث شعور الهرم من داخلي لجادلت أفراس النهر الجاثمة فوق أنفاسي وانطلقت عبر أشرعتي الراسية في مخابئ المنعطفات الرطبة وهي تبحث عن مجذاف لم ينكسر.
اشعر بالاسى وانا أغوص في افكار تكبلني نتائجها، فلا اعرف كيف أعود إلى نقطة البداية، العودة دائما لاتجعل الندوب تمحو أسباب وجودها. البحث عن المخارج أهداني فكرة مجنونة وربما رائعة، شرعت في تفاصيلها بغرابة تشبه أفكاري. زاولت عذابي وأنا استمر بتكبير أسرتي منذ بلغت العشرين من عمري، ازداد عدد أطفالي ولم يتناقص شعور وحدتي، وحدة حارقة والبيت يضج بأصوات صاخبة، غربة مرعبة. وانا أكاد اصم أسماعي عن سماع صرخات لاتنتهي،
وفكرة مجنونة تلح علي في كل لحظة تزين لي الموت حتى انه لم يخفني ولم اعد اخشاه، اصبح صديقا يزاملني اينما حللت. حين اجتمع باصدقائي فاني اراهم بطريقتي وتساعدني فكرة الموت على تعريتهم من اجسادهم، هياكل بشرية تتقافز حولي .. احيانا تريبني أصوات طقطقة عظامهم، إلا أنني تعايشت مع الأمر كما اتعايش مع وجودهم حولي، ورغبة في البكاء تجتاحني وأنا أشاهد ثقوبا تملأ تلك العظام، لم تكن متناسبة مع تلك الاجساد التي انتزعها عقلي عنهم. ثقب في الصدر ناحية القلب، وآخر في الجمجمة، وثالث في الفخذ، ورابع في الكف، هل كان اصدقائي يرشحون حياتهم عبر تلك الثقوب يوما بعد آخر وأنا أظنهم لا يشعرون بالاسى كما أعيشه بينهم. واصمت واغلق أفكاري عن هيكلي أنا وعدد ثقوب أساه لوانتزعت جسده. غربال يمشي دون اصطفاق لصوت عظامه، أخشى أن يسمعه بعضهم، من يدري ربما يزاولون الحزن ذاته في حياتهم دون أن يشعروني به بين كل الحالات.
لكن الحالة التي أوجدت هيكلي فيها لم تتعبني، توقفت أسرتي عن إيجاد حل لما أوغلت الدخول فيه، تكبيرها لم ينغصني والأسى يرافقني وأنا ألد طفلي الرابع، وانا احمل طفلي السادس، وانا اختن طفلي التاسع، وأنا اسرق قطعة حلوى من طفلي العاشر. غابة من الأطفال حولي. ارضع معهم سنواتي وارتشف قطرات بؤسي وأنا لا أفارق كهولتي، أتطلع في مرآتي أرى خطوط عمري لا ترتسم فوق وجهي إلا أنني لا أتوقف عن إحساسي بالهرم.
أتجمد عند نظرة تتكلم عبر صورتي، حروفها تنصت باهتمام الى همس يفح، ينادي بان بؤسي يأتي عبر حياتي، اصبح الهتاف يلح فوق حنجرتي ورأسي ويدي وقلمي. والهتاف يزداد اتساعا ليقول ان علي أن أدوس على جذور حياتي فربما أتخلص من هرمي واجتث سنوات كهولتي لأعود واشعر بالشباب يمتص أيام تيهي. أتمزق الآن انتظارا وأنا افكر بقسوة، بطريقة تنهي هذا الترقب المزعج الذي توصلت اليه.
اشعر بالأسى وأنا احفر مكانا يتسع لأطفالي، حيث سنرحل معا إلى الموت، لا أريد أن أفارقهم، أخشى أن يعاودني بؤسي في الموت فلا اعرف حينها طريق العودة الى الحياة فاتركهم يتخبطون وحدهم بثقوب هياكلهم البشرية، ساخذهم معي نفترش ظلال بعضنا ونغلق الحياة بتلك الحفرة المدهشة
التي جففت رطوبتها منذ انتهيت من حساب اتساعها ليشملنا جميعا.
لم اسألهم، اعرف انهم لايمتلكون قرار المفاضلة بين النـزول معي اوالبقاء فوق مع تلك الحياة التي أصابتني بالهرم. لم أفكر في زوجي، لن آخذه معي فقد قررت عدم زيادة أطفالي، لذا فقد انتهت مهمته معي، لن ادعه يشاركني ماأترقب اكتشافه، حملت آخرهم فلم يكن يستطيع النـزول بمفرده، وفرشت له ظل التاسع فيما افترشت أنا ظل الأول، حين اغلق الفتحة سيسود الظلام ولن نعود بحاجة لظلال بعضنا، سنكتفي بأصوات هياكلنا ظلالا نفترش بها عمرا رحل يبحث عن البقاء في الفناء، حلقة رائعة تخطو داخل ذلك الخندق الذي أعددته ببراعة، سأغلق الفتحة بذلك القفل الكبير، وسأرمي مفتاحه خارجا فربما نعاود الصعود لوبقي معنا، وربما يوهمني بؤسي برغبة البحث عن سر كهولتي في مكان آخر. لن ابقي لاحتمالات الضعف مجالا أمامي، أم أن بؤسي من ضعفي، سؤال غريب لم اطرقه قبلا ويبدو لي الآن إن وصوله في هذه اللحظة متاخر جدا لمعرفة جوابه، لن ابحث عن أية أجوبة الآن، سيكون لدي وقت طويل للبحث أوالسؤال أو للجنون أو للعقل، ليس هناك من فرق، ما علي إيجاده الان هو عالم خال من ثقوب محزنة في هياكله البشرية.
لابد أن أجد عالماً لا يرشح عبر حياته. قبل ان اغلق الفتحة تماماً اكتشفت أنني ألحّ بإصرار في محاولة حساب تلك السنوات التي شكلت عمري، وحال أدخلت الحلقة وساد الصمت انتهيت إلى عامي المائة، ياه كم اشعر بالأسى وأنا انتظر طفولتي التي لم تأت حتى الآن.
 
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصص | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر